نخبة من الأكاديميين

131

موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب

وضعية هؤلاء المسيحيين في المجالات الدينية والاقتصادية والاجتماعية . 1 - الوضعية الدينية للمسيحيين في الغرب الإسلامي : لا يخامرنا شك في أن هذه الوضعية استفادت من روح التسامح التي شاعت في ربوع بلاد المغرب . ولعلّ أبرز مظاهر هذه الروح العالية سماح الخلفاء الموحدين لمختلف الفئات المسيحية من تجار وجند وأسرى وغيرهم ببناء كنائس وممارسة شعائرهم الدينية بكل حرية ، فمتى بدأ تأسيس الكنائس في المغرب وما هي ظرفيته ؟ . إذا اكتفينا برواية المؤرخ المراكشي « 1 » ، فإننا نقع أسرى تصور غير صحيح يفيد بأن الموحدين لم يسمحوا ببناء أي كنيسة ، ولكن عذر هذا المؤرخ يكمن في أنه عاصر الدولة الموحدية ، وكان يخشى عاقبة تسجيل حدث كان يعتبر مخجلا ومهينا لها ، رغم بعده عنها وهو يؤلف كتابه . غير أن المؤرخين المرينيين لم يجدوا حرجا في ذكر أخبار بناء الكنائس في العصر الموحدي . ولا سبيل إلى الشك في صحة الروايات المرينية لأن المصادر المسيحية تعضدها ، إلا أن الفرق بين النصوص العربية والمسيحية هو أن الأولى تقرن الحدث بعهد الخليفة الموحدي المأمون ، بينما الثانية ترجع ذلك إلى عهد الخليفة يعقوب المنصور الذي بنى للحرس النصراني كنيسة « يذهبون إليها للاستماع إلى القداس » « 2 » . بينما تجمع الرواية العربية على اقتران بناء أول كنيسة بعهد المأمون الذي طلب مساعدة عسكرية من ملك قشتالة فرناندو الثاني لاسترجاع سلطته من أحد منافسيه ، وهو الأمير الموحدي يحيى بن الناصر ( 623 - 627 ه - ) ، فاشترط عليه الملك القشتالي في حالة انتصاره واستيلائه على مراكش أن يبني كنيسة للرعايا المسيحيين ، وأنه متى أسلم أحد من هؤلاء رده إلى إخوانه ، في حين أن من تنصّر من المسلمين فليس لأحد عليه من سبيل ، فوافق على هذا الشرط الذي يذكرنا بأحد بنود صلح الحديبية « 3 » ، وبمجرد ما تمت الغلبة للمأمون ، دخل مراكش مع النصارى ، « فضربوا بها نواقيسهم » « 4 » . واستفاد المسيحيون من جو التسامح ، فعرفت أحياء المدن التي كانوا يقطنونها بناء عدة كنائس ، ففي سبتة على سبيل المثال ، كان الأسقف الذي يقوم بدور المرشد الروحي بها هو الأسقف الإيطالي هوغو Hugo حوالي سنة 623 ه - / 1227 م « 5 » . ومن المحتمل أن يكون لكل طائفة مسيحية أسقفيتها حيث كان لكل من تجار جنوه وبيزة كنائس خاصة بهم « 6 » . ومهما كان الأمر ، فمن الواضح أن التنظيم الكنسي في عصر الموحدين بلغ أوجه ، ووجهت البابوية مستفيدة من جو التسامح عدة أساقفة نذكر من بينهم الأسقف الشهير Agnellus الذي تنعته الوثائق اللاتينية بأسقف فاس ، أعقبه Lupus الذي تشير إليه إحدى رسائل البابا إنوسانت الرابع ، وهي رسالة تتضمن دعوة منه إلى الرعايا المسيحيين لالتزام طاعة هذا الأسقف في كل القضايا الروحية « 7 » . أما الأسقف الذي أعقب Lupus فهو Branch الذي بقي على كنيسة مراكش إلى حدود 1289 م « 8 » . وإلى جانب السماح ببناء الكنائس ، سمحت السلطة الموحدية للبعثات التبشيرية المسيحية بممارسة

--> ( 1 ) - المعجب ، م ، س ، ص 435 وفيها يذكر بأنه لم تشيد أية كنيسة في المغرب . ( 2 ) - مارمول ، م ، س ، ص 50 . ولم نعتمد الرواية المسيحية الخرافية التي ترى أن إعدام المبشرين Les Freres Mineurs كان وراء تشييد أول كنيسة بالمغرب . ( 3 ) - ابن أبي زرع ، م . س ، ص 250 - 251 - الناصري : م ، س ، ص 237 . ( 4 ) - ابن خلدون ، كتاب العبر ، م ، س ، ج 6 ، ص 341 - ابن العربي الصديق : « طوائف وشخصيات مسيحية بالمغرب » ، مجلة تطوان ، 1956 ، ص 154 . ( 5 ) - DUFOURCQ , Les relations . . . . Op , Cit , p 109 . ( 6 ) - MENSAGE , Op , Cit , p 5 . ( 7 ) - MASLATRIE , Traites de paix et de commerce et documents divers concernant les relationd des Chretiens avec les Arabes de lAfrique septentrionale au Moyen Age , Paris 1866 1875 , p 15 . Voir : lettre du 1 decembre 1246 ( Supplements et tables ) . ( 8 ) - GODARD , Description et histoire du Maroc , Paris - Madrid - Alger 1860 , T 1 , p 360 .